التاريخ

مئوية الثورة الروسية فبراير 1917.. والانقلاب الشيوعي

هناك سياقات متعددة لكتابة التاريخ تظهر التطور المعرفي والارتقاء الترشيدي تجدها محكمة مرصوصة بأحداث قطعية من قرائن ودعائم. وعلى النقيض من ذلك ترى مسارات مخالفة أصابها الجمود وغلب عليها التقليد والتكرار، لم تستفد من فيض ما يطرح من إسهامات، بل ظلت تموج بأشكال لا تعطي مضموناً صحيحاً. لكنها جعلت منها حقيقية واقعة لا تحتاج إلى مزيد، وكأنها بذلك تدعو إلى إغلاق باب الاجتهاد إذا صح القول. وقد تجلى ذلك واضحاً وضمن هذا المسلم في ما يكتب حالياً عن مئوية الثورة الروسية عام 1917. ولا أقول هنا مردداً ثورة أكتوبر لأن ذلك العام قد حمل ثورتين وصفنا الثانية مجازاً بالثورة لكنها في الحقيقة كانت انقلاباً، كما سوف نفصِّله في سياقنا للموضوع. أما الأولى فهي الثورة الحقيقية التي كانت نتيجتها تنازل القيصر عن العرش ونهاية النظام الملكي وحكم سلالة رومانوف التي سادت 310 أعوام فكانت في فبراير عام 1917.
كما أن الشهرين المارين (فبراير وأكتوبر) هما حسب التقويم الجولياني القديم الذي كان قائماً وقت ذاك في روسيا فقط، يقابلهما حسب التقويم الجريجوري المستخدم حاليا شهرا (مارس ونوفمبر)، وهو فخ يقع فيه من كتب عن الموضوع بالعربية. فتفسير النص مرهون بتاريخه، ولا يمكن الفصل في هذا المنحى إطلاقاً من دون التقيد بالمراحل الزمنية للترتيب التقويمي، وشرحها ما أمكن حتى ينضبط التسلسل التاريخي الدقيق للأحداث ضمن نسق موحد، وهو أمر لا يمكن تجاهله أو إغفاله.

قد يختلط معنى السوفييت عند البعض بالشيوعية ومفرداتها، حيث لا توجد أدنى علاقة بينهما لا من قريب او بعيد.
فمفردة السوفييت باللغة الروسية تعني مجلس Council التي اشتهرت وانتشر استعمالها نتيجة الاضرابات العمالية عام 1905، حينما ابتدأت المجموعات العمالية من المضربين في المصانع والورش بموسكو وبيتروغراد انتخاب وحدات محايدة لا تتبع لأي تنظيم حزبي، ينتخبها العمال الذين تجمعهم معرفة بعضهم بعضاً ويمتلكون مصلحة مشتركة ومعتقداً متشابهاً يتمكنون من خلالهما انتخاب ممثلين يدافعون فيه عن مصالحهم ويحلون قضاياهم المستعصية مع ارباب تلك المعامل، حيث تجتمع تلك المجالس (السوفييت) ببعضها باستمرار في حالات ادارة الاضرابات. وقد كان اول تأسيس رسمي لها عام 1905 ابان اضراب اكتوبر الكبير الذي شل الحركة الاقتصادية في انحاء روسيا. وبعدها تبنت الثورة عام 1917 هذا النظام وأدرجته على كل مفاصل الاجهزة الحكومية بما فيها الوحدات العسكرية والامنية حيث يختار منتسبوها من يمثلهم وانتقل هذا التقليد الى القرى. وحينها دانت الامور للبلاشفة جاء تفضيل لينين لهذا النظام، لان حزبه قد سيطر على تلك المجالس وأثره على المجالس المنتخبة ديموقراطياً حينما قام بانقلابه في (26 اكتوبر حسب التقويم الجولياني) 7 نوفمبر 1917 وتمكنه من الحكم وجعله ماكنة سياسية للسيطرة على روسيا بأجمعها وقد وصف بوكارين استغلال السوفييت: «انه الوسيلة الوحيدة لرعي الغنم والذئاب معاً». وقد عمم ليصبح اسم الدولة «الاتحاد السوفيتي».
يقول الكاتب الروائي الفرنسي الشهير وستاف ملايبرت: في داخل كل ثوري… شرطي».
دخل عام 1918 وهو يسحب وراءه رداء الإرهاب، حيث انتهى لينين للتو من تشكيل جهاز بوليسي خانق أطلق عليه مسمى «جيكا» ووصفه بأنه «سيف الحزب ودرعه» الذي جعلهما شعاراً أسسه بعد أشهر قليلة من وثوبه على سدة الحكم في اليوم السابع من ديسمبر 1917 حتى قبل أن يغير اسم حزبه ليصبح الحزب الشيوعي الروسي (البولشفي) في مارس 1918.
وقد سبق لينين بأشواط ما قام به القيصر الكسندر الثالث الذي أسس جهازاً بوليسياً باسم الأوكرانا كما مر بنا حينما اغتيل أبوه الكسندر الثاني. ما الفرق؟
(فما أشبه اليوم بالبارحة).
مات القيصر وعاش الرفيق
كانت روسيا تعيش أصعب الظروف وأقساها حتى غدت مثل حالة من يريد أن يمزق نفسه. فالحرب الأهلية نيران شبت في كل مكان من أرجاء تلك البلاد الشاسعة، ولم تكن الثورة على الحكم القيصري بقسوته وظلمه قد حققت ما يريده المحرومون بل، العكس فقد فقد الجميع الأمان وقاسوا الحرمان وتولت عصبة من المأزومين والحاقدين أموراً ليسوا قادرين على حلها، فاختاروا الطريق الأسهل لإسكات الجميع وهو البطش والإرهاب بأقسى أشكالهما، معتمدين على شعارات لا تغني من جوع، وابتدأت معارك الكلام فكان البلاشفة أكرم من وعدوا وأبخل من حققوا.
نقل لينين عاصمة حكمه إلى موسكو لأنه لم يطق العيش في بتروغراد (بُنيت 1703) لأنها رمز البرجوازية التي يحاربها بأظافره وأسنانه (بعد موته غيَّر اسم بتروغراد إلى لينينغراد) وكان هناك سبب تكتيكي وهو أن ألمانيا بعد أن وضعت لينين في مقعد الحكم وسدته أخذت تطالب باستحقاقاتها ومنها معاهدة رضوخ، ولم تسمح إلى تروسكي الذي تسلَّم ملف مباحثات السلام. أن يستفيد من لعبة إضاعة الوقت ويحاول أن يتملص من توقيع معاهدة بريست – ليتوفاسك بإيقاف الحرب فقط من دون التزام لكنه فوجئ بإنذارٍ وضعَهُ الجنرال ماكس هوفمان المفاوض الألماني يوم 9 فبراير 1918 بأن ألمانيا سوف تتوغل في الأراضي الروسية في اليوم التالي إذا لم توقع المعاهدة. في 18 فبراير أعلنت ألمانيا التحشيد وأعطت إنذاراً ينتهي في الساعة السابعة من صباح 24 فبراير. فكان قرار لينين: «يجب أن نوقع، وان لم نفعل فإننا سوف ننهي نظامنا خلال ثلاثة أسابيع». وهدد بالاستقالة.
خلال ثلاثة أيام احتلت ألمانيا أكثر مما احتلته من أراضي روسية منذ ثلاثة سنوات. وكانت الخطة الألمانية احتلال العاصمة بيتروغراد كما كان لينين يعتقد. تعالت هتافات لينين الخائن وجاسوس الألمان لكن هذا لم يمنع لينين من إرسال برقية عاجلة في منتصف ليلة 23 فبراير إلى برلين بالموافقة على شروط المعاهدة الألمانية. وعلى الرغم من تنازلاته عن أراضٍ في البلطيق فقد تم إيضاً التنازل عن مناطق مع تركيا، كان المجموع الكلي مليوناً وثمانمئة ألف كيلومتر مربع يسكنها اثنان وستون مليون نسمة بالإضافة إلى 120 مليون روبل ذهباً، لقد كانت معاهدة غالية الثمن عقدت بعد أسبوع في 3 مارس وفقد تروسكي منصبه كقوميسير للشؤون الخارجية فوقها!!
«تروسكي» الفينق الذي غاب خلف الشمس
هو ليون ديفيدوفج برونستين، ولد عام 1879م من أسرة يهودية متوسطة الحال في اوكرانيا، درس في جامعة اوديسا. وكان يعرف عنه فيها نشاطه السياسي المتطرف، مما جعله تحت نظر الاوكارنا (الأمن العام) كغيره من الطلبة الوالغين من عباب الاراء الاشتراكية الثورية، اعتقل عام 1898 ونفي إلى سيبيريا وعمره 19 سنة، وبعد أربع سنوات استطاع أن يهرب من المعتقل ومن ثم إلى لندن التي وصلها بجواز مزور باسم تروسكي، الذي غدا اسم شهرته مثل قدوته لينين. فغدا وعلى الرغم من صغره عضوا بارزا في التجمع السياسي الاشتراكي الديموقراطي، الذي يضم لينين وبيكانوف فاصدروا نشرة ثورية اطلق عليها مسمى (اسكرا) الشرارة، التي كانت أهم الاصدارات السياسية السرية الداعية للثورة في روسيا مطلع القرن العشرين، عاد إلى روسيا خلال ثورة عام 1905 وانتخب عضوا في مجلس سوفيت بتروغراد العاصمة، فاعتقل مرة أخرى مع بقية أعضاء المجلس ونفي إلى توبولسك في سيبيريا، ولكنه تمكن من الهرب بمجرد وصوله لها واستقر في فيينا، حيث عمل في صحيفة اربيتر زيتنج وبرافدا، كما عمل في مصنع للمواد الكيماوية. في عام 1910 حضر مؤتمر حركة العمال الاشتراكي الديموقراطي في كوبنهاكن ممثلا لشقي حركتي البولشفيك والمنشفيك. في عام 1913 انتقل إلى اسطنبول مراسلا حربيا وبعد سنة انتقل إلى زوريخ وباريس محررا لمطبوعات سرية ثورية، واصدر كتابا عن أسباب الحرب العالمية باللغة الألمانية، حكم على أثره بالسجن لمدة ثمانية أشهر، في عام 1916 طرد من فرنسا واعتقلته السلطات الاسبانية على حدودها، ولكنها سمحت له بالمغادرة إلى أمريكا. فأصدر فيها النشرة الثورية الروسية (نوفي مير) العالم الجديد.
وحينما اندلعت ثورة فبراير 1917 في روسيا وتنازل القيصر نيقولا الثاني عن العرش. أرسل أصدقاء وقراء نشرته في أميركا نفقات رجوعه إلى روسيا. ولكنه اعتقل من قبل السلطات البريطانية في هليفاكس – كندا. ولم يفرج عنه إلا بعدما توسطت الحكومة الروسية المؤقتة بالافراج عنه. فوصل العاصمة بيتروغراد بعد وصول لينين بقطاره ألماني في بداية أبريل 1917 بما يقارب شهرا في 4 مايو. كان انذاك يتزعم تنظيماً صغيراً للديموقراطيين الاشتراكيين من جناح المندريك ولكنه تعاون مع مجموعة لينين ولم يصبح عضواً فيها إلا في يوليو 1917 حين اختفاء لينين وهروبه إلى فنلندا لمدة ثلاثة أشهر، ابتدأ نجمه بالسطوع ولعب دوراً يضاهي دور لينين، وله الفضل في تسلط الحركة البلشفية على مجريات الأمور ثم استوحادها بالحكم، وقد نسى الكثير من الكتاب بالعربية دوره وهضموا حقه مع العلم بأنه صانع انقلاب أكتوبر/ نوفمبر البلشفي، حيث استغل منصبه في المجلس (السوفييت) للانقضاض على الحكم.
كان خطيباً مفوهاً يسرق احساس مستمعيه باحراج معارضيه، فإذا كان لينين يبحث عن مكتب فإن تروسكي يتوهج إذا ارتقى مسرح الخطابة.
لنر ما قال عنه البروفيسور الأسترالي كَودي الذي كان محاضراً في الكلية العسكرية بيتروغراد، الذي كان شاهد عيان على تلك القابلية الخطابية وتأثيرها على اللحظات التاريخية المهمة وتحديداً الاجتماع المهم الأخير والنقاشات التي حدثت ليلة 26/27 أكتوبر (التقويم الجولياني) المصادف 6/7 نوفمبر (التقويم الجريجوري)، كما نشرها لاحقاً في جريدة الديلي ادفرتايزر 28 نوفمبر 1932. ولم يكن على معرفة بتروسكي آنذاك حيث كان اجتماعاً يضم مجموعات من مختلفي الأعمار والمهن والأفكار بدأه عضو متحمس من مؤيدي الحكومة المؤقتة صاحبة الأغلبية مدافعاً.
«إن قوى الأمة جميعها يجب أن تكون مع الجمعية الدستورية صاحبة الحق الوحيد (يقصد الحكومة المؤقتة) التي تمثل الأمة كلها». فلاقت تلك الكلمات تقبلاً لدى الجمهور وتأييده وبدت همهمات المستمعين وحركاتهم تدل على الموافقة مع ما طرح بالإعجاب والتأييد. وفجأة انفجرت عاصفة واستدارت الأنظار إلى القادم الجديد الذي واجه الجمهور بثقة وخطوات ثابتة. هرع إلى المنصة يقرعها بيديه وعلت نبرات تردد: «كلا، كلا، كلا أيها الرفاق». وبدا الصوت يقرع كأجراس الكنائس القديمة. وانسابت الألفاظ منسقة مقنعة ذات صدى بدأ مفعوله كالسحر يجذب المستمعين وهو يفند ما قاله الخطيب السابق. ولم يكن ذلك خطاباً بل قذائف تحمل كل كلمة منها رصاصة منطلقة من مدفع رشاش آدمي، بلغ كل تعليق فيه إلى غايته وحطم قائله وبعثر مصداقيته، فقطعه إرباً إرباً حجة وقولاً ومنطقاً، فاستعاد تأييد الجمهورالذي بدأ يردد ما يقول وضاقت القاعة حتى فاضت بالمستمعين الذين تدافعوا للاستماع، لقد كان القادم الجديد هو تروسكي الذي سيطر بمفعول خطابه على الأفئدة والأنظار. وقد سمعت لحظتها أحد أقطاب ومؤيدي الحكومة المؤقتة بعد ذلك يردد: «لقد انتهى كيريسكي (رئيس وزراء الحكومة المؤقتة) ولن نستطيع عمل أي شيء بعد ذلك».
تشكيل الجيش الأحمر
كان كيريسكي آنذاك قد هرب من بتروغراد في محاولة لاستنهاض قوات القوزاق للقضاء على البلاشفة ومنعهم من الاستيلاء على الحكم. (وسوف نرى تفاصيل ذلك في تعرضنا إلى شخصية كيريسكي).
بعد نجاح انقلاب البلاشفة الذي كان بجهوده وتنسيقه عين قوميسير الشؤون الخارجية (منصب يعادل وزير الخارجية) ومثل روسيا في مباحثات السلام مع ألمانيا وتوقيع معاهدة بريست – ليتوفيسك عام 1918. وقبلها فضح اتفاقية سايكس – بيكو في نوفمبر 1917 بنشرها بالصحف البريطانية.
.لعب دوراً يضاهي دور لينين فيها في تنظيم الحركة ونشرها بعد استحواذ الحكم ليصبح قوميسير الشؤون الخارجية، فشل في مفاوضات السلام مع ألمانيا في محادثات بريست – لا توفسك لتصلب الجانب الألماني بطلبات تعجيزية لمعرفته بما يحدث في روسيا من حالة فوضى وارتباك خلال الحرب الأهلية تجعله في وضع يتمكن فيه من احتلال عاصمة روسيا بيتروغراد بسهولة. فوقف لينين معارضاً لوجهة نظر ترويسكي واجبره على التنحي وعين تشتشرين بدله وعين ترويسكي قوميسير للحرب على الرغم من معارضته، لكنه نجح فيها في تشكيل ميليشيا الحمر من 7 آلاف عضو كنواة لجيش أصبح تعداده 5 ملايين جندي هو الجيش الأحمر ذو خبرة قتالية تفوق فيها بقتاله ضد الجيش الروسي القديم (الأبيض) على الرغم من مساندة دول الحلفاء له.
كما شكل عام 1920 ما أطلق عليه (جيش العمال) – لا علاقة له بالحرب – الذي حمى شبكة السكك الحديدية (رئة البلاد) من التخريب والانهيار.
إلى مزبلة التاريخ
في عام 1923 ابتدأ في تنفيذ تجنيد الشباب وتشجيعهم لأخذ أدوار ومناصب (الحرس القديم) مما أثار مشاعر ستالين وزنيفيف وأمثالهم فهاجماه بقسوة وشراسة. وقاما بنقل مؤيدي أولئك الشباب إلى القوقاز. بعد موت لينين في 21 يناير 1924 فقد تروسكي من كان يحميه ويسنده فهو لم يكن عضواً أصليا في حركة البلشفيك، بل مناوئاً من مجموعة المنشفيك ولم يرتبط بالبلاشفة إلا في يوليو 1917. فاستمرت الحملة ضده فجرد من منصبه في اللجنة المركزية واعطى منصباً سياسيا بسيطاً ليصبح مسؤولاً عن تطوير مصادر الكهرباء. في عام 1925 استقال من منصبه وعين في منصب تافه. وفي عام 1927 طُرد من عضوية الحزب الشيوعي بحجة قيامه بأعمال ضد الحزب، في يناير 1928 نُفي إلى فيرني في تركستان ومنها هرب إلى اسطنبول عام 1929، وفي عام 1936 انتقل إلى النرويج ثم باريس الذي اعتقل فيها ثم طُرد من فرنسا عام 1937 ثم اسبانيا ومنها إلى المكسيك، وقد حكم عليه بالإعدام غيابياً بتهمة التآمر على اغتيال ستالين.
في عام 1940 قُتل في بيته الذي جعله شبه قلعة، لكن ذلك لم يحمه من يد ستالين الطويلة كما اثبتته التقارير الرسمية الروسية بعد حل الاتحاد السوفيتي عام 1989.
كان تروسكي من أبرع القادة الروس وان كان قاسياً متحجر القلب، لكنه نشيطاً مثابراً خطيباً مؤثراً ثورياً يؤمن بالثورة المستمرة، كاتباً واسع الاطلاع حذقاً مسموم القلم تنسب إليه المقولة المشهورة التي يتداولها اليساريون والمتطرفون إلى أيامنا هذه (اذهب إلى مكانك الذي تريده الآن في مزبلة التاريخ). كتب كتباً عدة عن الثورة الروسية وعن ستالين كما كتب نبذة ظهرت في دائرة المعارف البريطانية عن لينين منذ عام 1925.

مخُّ لينين

لازمت شعائر هذه العادة بأن عبقرية لينين تجلت بوضوح حول شكل جمجمته وحجمها وبنيتها، فتطوع العلماء لدراستها عبر عقود بعد أن تأسست مختبرات دراسة الدماغ عقب موت لينين بسنتين وتم التعاقد مع اختصاصي دراسة الجهاز العصبي العالم الألماني المشهور أوسكار فوغت الذي بدأ بمقايسة مخ لينين المحفوظ بمادة مورمال ديهادريت مع الكحول، كان وزن المخ 1340 غراما (متوسط الوزن 1300 – 1400) فاقتطع جانب منه وقسمه إلى 7200 شطيرة لعمل التحليلات الميكروسكوبية على أساس النظرية القائلة ان شكل المخ ووزنه هما ما يحددان درجة الذكاء، فاستغرقت هذه الدراسة عشر سنوات، قدم بعدها تقريراً في غاية السرية مكونا من 153 صفحة معززة بــ‍ 700 صورة، وكانت خلاصتها «لم يكشف شيء غريب وأن مخ لينين عادي».

السقوط المروع

في ليلة 11/10 مارس انتقل لينين في جنح الليل وفي أتم سرية بقطار يحمل زوجته وطاقم موظفيه وحرسه ومعهم ستالين إلى مدينة كان يصفها في مراسلاته قبيل نهاية القرن العشرين بـ«المدينة العفنة» و«المجرور القذر» كان الاختيار شخصياً مثل الكثير من قراراته لذلك أطلق عليه لقب الدكتاتور.
في تلك المدينة التي وصفها «بالكريهة مثل الكابوس الجاثم»، وفي بقعة مكتظة قذرة من تلك الضواحي التي يقطنها عمال المصانع كان لينين على موعد لم يضربه مع الموت ليلة 30 سبتمبر 1918، يلقي خطاباته محرضاً ضد أعداء الثورة من البرجوازيين والرجعيين بالموت والشنار ومبشراً البلوروتاريا بالفوز والانتصار ويرفع من الروح المعنوية للصامدين أمام المؤامرات الرجعية الدنيئة. بعد أن أنهى خطابه في ذلك الجو المغبر الحار هرع حراسه لأخذه إلى سيارته، وكانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلاً، توقف لحظات يطمئن السائلين عن النقص الكبير والشحة في المواد الغذائية نتيجة هجرة كبيرة للفلاحين إلى المدن، تاركين مهنتهم الزراعة المرهقة إلى ما كانوا يعتقدونه حياة أفضل، وهو يطمئنهم ويعدهم بالأفضل ويوزع تحياته.. وفجأة سمعت اصوات طلقات نارية قادمة من مصدر اتضح أنه امرأة اتجهت إليه منادية باسمه رافعة مسدسا من نوع براونغ مطلقة ثلاث رصاصات، اخطأته الأولى خلال معطفه ونفذت منه لتصيب أحد الحاضرين وأصابت الثانية كتفه، أما الثالثة فاخترقت رئته. سقط لينين وسط دهشة الحضور الذين أمسكوا بالجانية ونقل المصاب وهو فاقد الوعي إلى السيارة مسرعين إلى الكرملين، كانت الإصابة بالغة ولكنها لم تقض عليه، ولكنها تركت آثاراً مرضية مستمرة حتى موته في 21 يناير 1924، نتيجة إصابته بشلل نصفي وفقده النطق. كانت المرأة تبلغ الثامنة والعشرين من العمر اسمها فاني كابلان، عضوة نشطة في حزب الاشتراكي الثوري الذي كان في السابق حليفاً للبلاشفة ثم اختلف معه بعد أن اختطف الحكم منه وأصبح مطارداً مغلوبا ومغضوبا عليه، وهي تردد «عزمها على قتل لينين منذ وقت طويل، لأنه خان الثورة» كما أصرت على أن عملها كان فردياً. ويعتقد المؤرخون أن قولها غير صحيح، خاصة أنها كانت ضعيفة البصر!! على أي حال فإن مصيرها كان معلوما ومحتوماً، إذ اقتيدت يوم 3 سبتمبر إلى مرآب للسيارات وانهيت حياتها برصاصة واحدة في الرأس. بعد ساعات قليلة أصدرت حكومة البلاشفة تحذيراً مرعباً مخيفاً: «بسحق رؤوس أفعى الهيدرا، لاعداء الثورة بقسوة وبلا رحمة (الهيدرا لمن لا يعرفها أفعى خرافي ذو تسعة رؤوس قتله هرقل فكان كلما يقطع رأساً يظهر محله رأسان جديدان). وتعتبر تلك الحادثة مداً وبداية لعصر الإرهاب في روسيا الذي قضى على عشرات الملايين من مواطنيها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شركة تنظيف
إغلاق